الغزالي

83

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

ما لي شاهد ، فحلّفه ! فحلفت يحيى بن خالد ، وأرضيت خصمه بإحلافه ، وساويت في الحكم بين يحيى وبين المجوسي لعزّة الإسلام ؛ وما ملت قط مع أحد ، ولا حابيت أحدا ، خوفا أن يسألني اللّه تعالى عن ذلك . بل يجب أن يعرف قدر الزعماء والأكابر ، وينبغي للأكابر أن لا يظلموا أصاغرهم ، وأن يعظموا أمر الحق ، ويطيعوا أمر السلطان ولا يعصوه في حال ، ليكونوا قد عملوا بقول اللّه تعالى : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [ النساء : 59 ] ومن يجعل اللّه له هذه المرتبة الشريفة ، والدرجة المنيفة ، ويقرن طاعته بطاعته جلّ اسمه وطاعة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، فالواجب على الخلق أن يطيعوه ويخافوه ، ويجب على السلطان شكر هذه النعمة والطاعة لربه تعالى ، وامتثال ما أمره به من العدل والإحسان والرأفة بالمظلومين ؛ فقد قيل : احذروا من دعاء المظلومين ، وخافوا من ظلم من لا ينتصر من ظلمه إلّا بدمع عينيه ؛ فما دون دعاء المظلوم حجاب ، ودعاؤه مستجاب ، لا سيّما الدعاء في الأسحار ، والتضرّع في هدوء الليالي إلى الجبار ، كما قال الشاعر : فلا تعجلن بالجور ما دمت قادرا * فآخره إثم وخوف عذاب تنام وما المظلوم عنك بنائم * ودعوته لا تنثني بحجاب وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « تأسفت على موت أربعة من الكفّار : على أنوشروان لعدله ، وحاتم الطائي لسخائه ، وامرئ القيس لشعره ، وأبي طالب لبرّه » « 1 » .

--> ( 1 ) لم نجده بهذا اللفظ ، وتقدم ص 51 ما ورد عن أنوشروان ، وأما حاتم الطائي فورد : لما أتى بسبايا طيء وقفت جارية في السبي فقالت : يا محمد إني رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإني بنت سيد قومي وإن أبي كان يحمي الذمار ويفك العاني ويشبع الجائع ويطعم الطعام ويفشي السلام ولم يرد طالب حاجة قط أنا ابنة حاتم الطائي . فقال صلى اللّه عليه وسلم : « يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه ، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق وإن اللّه يحب مكارم الأخلاق » فقام أبو بردة بن نيار فقال : يا رسول اللّه ؛ اللّه يحب مكارم الأخلاق ؟ فقال : « والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة إلا حسن الأخلاق » قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء [ جزء 2 - صفحة 259 ] : أخرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول بإسناد فيه ضعف . وأما امرئ القيس فجاء في مجمع الزوائد [ جزء 1 - صفحة 318 ] رقم 471 - : ( عن عفيف الكندي قال : بينا نحن عند النبي صلى اللّه عليه وسلم إذ أقبل وفد من اليمن فذكروا إمرأ القيس بن حجر الكندي وذكروا بيتين من شعره فيهما ذكر ضارج ماء من مياه العرب فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ذاك رجل مذكور في الدنيا منسي في الآخرة يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء يقودهم إلى النار » وقال : رواه الطبراني في الكبير من طريق سعد بن فروة بن عفيف عن أبيه عن جده ولم أر من ترجمهم ) .